محمد علي الحسن

208

المنار في علوم القرآن

ولبعض الباحثين القائلين بعلم الراسخين بتأويل المتشابه رؤية أخرى ، تتمثل في أنه حتى على فرض لزوم الوقف على لفظ الجلالة ، وكون الواو للاستئناف ، فإن الآية لا تقتضي جهل الراسخين بالتأويل ، من منطلق أن المعنى حينئذ يمكن أن يكون في هذه الجملة ( وما يعلم تأويله ) علما شاملا محيطا غير مكتسب إلّا اللّه ، فلا ينافي ذلك علم غيره بالتأويل لكن لا على هذا الوجه التام المحيط غير المكتسب . فعلى هذا ، فالآية تخبر عن الراسخين في العلم بأنهم يقولون : آمنا به ، ولم تتعرض إلى علمهم ولا إلى عدم علمهم ، فهذه قضية مسكوت عنها في الآية ، فكونهم يعلمون أو لا يعلمون مما يحتاج إلى دليل مستقل ، وقد وجد من الأحاديث ما يدل على علمهم . مما تقدم يتضح أنه ليس في القرآن متشابه بمعنى الذي لا يفهم معناه ، لأن اشتمال القرآن على شيء غير مفهوم يخرجه عن كونه بيانا للناس ، وهو خلاف ما أخبر اللّه به . أما تفسير بعض العلماء للمتشابه بأنه لا يعلم ، وأنه مما استأثر اللّه بعلمه كقيام الساعة وعلم الغيب وغير ذلك فإننا نقول لهم : إننا معكم أن هذا مما لا يعلمه إلّا اللّه ، ونحن نسلم بذلك ، ولكن تفسير المشابه بذلك مما لا نسلّمه . وبعد : فإن هذا هو الرأي الذي تستريح إليه النفس لقوة حجته ، ونصوع برهانه ، أما نسبة القول إلى ابن مسعود وأبيّ فإنها لم تصح في مستدرك الحاكم . كذلك الزعم بأن ابن عباس قال مثل قولهم غير صحيح ، بل الأصح أن ابن عباس على خلاف قولهم ، وقد تبنى رأيه تلميذه ابن مجاهد الذي قال بقول أستاذه : ( أنا ممن يعلم تأويله ) . ولقد أيد هذا الرأي علماء أفذاذ كالإمام النووي الذي قال بأنه الأصحّ ، لأنه يبعد أن يخاطب اللّه عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته . كما اختاره ابن قتيبة وقال : ( ولسنا ممن يزعم أن المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم ، وهذا غلط من متأوّليه على اللغة والمعنى ، ولم ينزل اللّه شيئا من القرآن إلّا لينفع عباده ويدل على معنى أراده ) .